أحمد زكي صفوت

35

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

كالموصول يطير بريش غيره ، فقد أصبحت ضالّ النسب ، ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللّجاج ، فدعه عنك فقد أصبحت على بيّنة من أمرك ، ووضوح من حجّتك ، فإن أحببت جانبي ووثقت بي فإمرة بإمرة ، وإن كرهت جانبي ولم تثق بقولي ، ففعل جميل ، لا علىّ ولا لي ، والسلام » . ( شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 69 ) 30 - رد زياد على معاوية فكتب إليه زياد جواب كتابه : « أما بعد : فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه ، فالحمد للّه الذي عرّفك الحقّ وردّك إلى الصّلة ، ولست ممن يجهل معروفا ، ولا يغفل حسبا ، ولو أردت الآن أن أجيبك بما أوجبته الحجّة ، واحتمله الجواب ، لطال الكتاب ، وكثر الخطاب ، ولكنك إن كنت كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح ونية حسنة ، وأردت بذلك برّا ، فستزرع في قلبي مودة وقبولا ، وإن كنت إنما أردت مكيدة ومكرا وفساد نيّة ، فإن النفس تأبى ما فيه العطب ، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعيا به الخطيب المدره « 1 » ، فتركت من حضر لا أهل ورد ولا صدر « 2 » ، كالمتحيّرين بمهمه « 3 » صل بهم الدليل ، وأنا على أمثال ذلك قدير » .

--> ( 1 ) وذلك أنه لما ورد عليه المغيرة بكتاب معاوية ، جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة فخطبهم فقال أيها الناس : ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم ، وارغبوا إلى اللّه في دوام العافية لكم ، فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان ، وفكرت فيهم فوجدتهم كالأضاحى في كل عيد يذبحون ، ولقد أفنى هذا اليومان يوم الجمل وصفين ما ينيف على مائه ألف كلهم يزعم أنه طالب حق وتابع إمام وعلى بصيرة من أمره ، فإن كان الأمر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنة ، كلا ليس كذلك ، ولكن أشكل الأمر ، والتبس على القوم ، وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدا ، فكيف لامرىء بسلامة دينه ، وقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحمد العاقبتين العافية ، وسأعمل في أموركم ما تجدون عاقبته ومغبته ، فقد حمدت طاعتكم إن شاء اللّه » . والمدره : المقدم في اللسان عند الخصومة ، فهو لسان القوم والمتكلم عنهم الذي يرجعون إلى رأيه . ( 2 ) الورد : الإشراف على الماء وغيره دخله أو لم يدخله ، والصدر : الرجوع . ( 3 ) المهمة : المفازة البعيدة والبلد المقفر .